Skip to main content

الأخبار

  • 1 8 1500x800 42fbf18f

تداعيات مبادرة بولس: من محاولة تسوية الصراع إلى إعادة ترتيب الخصومات

|

🎲 لم تعد مبادرة مسعد بولس في ليبيا مجرد طرح سياسي يبحث عن تسوية بين أطراف الأزمة، بل تحولت مع مرور الوقت، إلى عامل جديد في إعادة ترتيب التحالفات والصراعات داخل المشهد الليبي.
فالمبادرة التي جرى تقديمها على نطاق واسع باعتبارها تحظى بغطاء أمريكي، تبدو وفق مسار الأحداث، أقرب إلى مبادرة شخصية حاول صاحبها منحها وزناً دولياً يتجاوز طبيعتها الفعلية، قبل أن يصطدم بتعقيدات المشهد المحلي وتوازناته المتشابكة.

📍 جاءت زيارة بولس إلى مصراتة، ولقائه بأعيان المدينة والمجلس الاجتماعي وعدد من الشخصيات الفاعلة، في سياق سياسي سبقته تسريبات روج لها معسكر شرق البلاد، مفادها أن صدام حفتر يحظى بدعم أمريكي وإقليمي لتولي رئاسة المجلس الرئاسي.
غير أن هذا الطرح واجه رفضاً واضحاً في المنطقة الغربية، الأمر الذي دفع مسار المبادرة إلى التحول تدريجياً من مشروع سياسي محدد المعالم إلى عملية استماع واسعة لمواقف الأطراف المختلفة.

📌 وبذلك، انتقل بولس من موقع صاحب المبادرة إلى موقع الباحث عن القبول بها، كما أن تأكيده عدم فرض أي مبادرة لا تحظى بقبول الأطراف الليبية، عكس بصورة غير مباشرة، حجم الصعوبات التي واجهها المشروع منذ بدايته.
فالمشكلة في ليبيا لم تكن، في كثير من الأحيان، غياب المبادرات أو نقص الاستماع، بقدر ما كانت تكمن في الفجوة بين ما يقال في الاجتماعات وما يجري تنفيذه على الأرض.

🔍 من المبادرة إلى صراع النفوذ

📈 أحد أبرز المؤشرات على تعثر المسار الذي قاده بولس تمثل في إعلانه تعيين جيرمي بيرنت مستشاراً للإدارة الأمريكية في ليبيا، مع تأكيد استمرار التواصل معه.
وقد قرأ بعض المراقبين هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً على انتقال الملف إلى قنوات أخرى، أو على الأقل تراجعاً تدريجياً لدور بولس المباشر في إدارة تفاصيل المبادرة أو بداية الإعلان عن الخروج من المشهد الليبي بعد تعقيده.

🧩 ويبدو أن جوهر المشروع كان يقوم على بناء صيغة توافق بين مراكز القوة المؤثرة في شرق البلاد وغربها، عبر تفاهمات تتجاوز المؤسسات الانتخابية التقليدية، وتؤسس لصفقة سياسية بين العائلتين الأكثر تاثيراً في المشهد الليبي.
غير أن هذا التصور أصطدم بحقيقة أن الصراع لم يكن بين طرفين متماسكين بالضرورة، بل داخل كل طرف أيضا.

🤝 فما إن بدأت التفاهمات السياسية تتعرض للاختبار حتى خرجت الخلافات الداخلية إلى العلن، وتحولت من تنافس سياسي إلى صراع على أدوات النفوذ والسيطرة على المؤسسات.

🕵🏻‍♂️ جهاز المخابرات: بداية تفكك التفاهمات

🔍 برز جهاز المخابرات العامة كأحد أبرز ساحات الصراع، مع محاولة تغيير رئيسه حسين العائب واستبداله بعبد المجيد مليقطة.
♟️ وقد حظيت هذه الخطوة، بحسب المعطيات المتداولة، بدعم من رئاسة الحكومة ومن عضوي المجلس الرئاسي المنفي واللافي، في حين عارضها العضو الثالث موسى الكوني.

🎲 وتتجاوز أهمية هذه القضية مسألة تغيير مسؤول أمني، إذ ترتبط بطبيعة التفاهمات التي رافقت تشكيل الحكومة والمرحلة السياسية السابقة.
👓 فإعادة النظر في الشخصيات التي جرى التوافق عليها يمكن أن تعني عملياً إعادة فتح الملفات التي أغلقت ضمن تفاهمات سياسية أوسع.

🔍 ومن هذا المنظور، يرى مراقبون أن الصراع حول جهاز المخابرات يمثل جزءاً من محاولة إجهاض المسار السياسي الذي كان يمكن أن يقود إلى صعود صدام حفتر إلى رئاسة المجلس الرئاسي، عبر تفكيك الأدوات والقنوات التي شكلت جزءاً من التوازنات السابقة.

💡 الكهرباء كساحة جديدة للصراع

🔌 لم يتوقف الصراع عند المؤسسات الأمنية، بل امتد إلى مؤسسات اقتصاديّة وخدمية ذات تأثير واسع، وفي مقدمتها الشركة العامة للكهرباء.

🪫 فالشركة، التي تدير قطاعًا استراتيجيًا وتتعامل مع موارد مالية وطاقة ضخمة، أصبحت خلال الفترة الأخيرة محور سجال سياسي متصاعد.
فقد وجهت إليها اتهامات بالفساد من رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، في وقت شهدت فيه البلاد أزمة كهرباء وانقطاعات واسعة، بينما نفت الشركة تلك الاتهامات، وعزت الأزمة إلى نقص الموارد النفطية وفقدان جزء من القدرة الإنتاجية.

📃 كما أكدت الشركة أنها خاطبت الحكومة في مناسبات عدة بشأن المشكلات القائمة، لكنها لم تنشر تلك المراسلات للرأي العام، خشية ما قد يترتب على ذلك من ردود فعل سياسية وشعبية.

🔍 غير أن الأزمة سرعان ما تجاوزت بعدها الفني لتتحول إلى جزءً من الصراع السياسي، فبينما رأى البعض أن تراجع أداء قطاع الكهرباء يعكس فشلاً إدارياً ومؤسسياً، اعتبر آخرون أن الأزمة تستخدم كأداة ضغط على الحكومة، ضمن صراع أوسع حول موازين القوة والخيارات السياسية المطروحة.

🚨 وتزداد حساسية هذا الملف عندما تدخلت التصريحات السياسية والإعلامية في تفسير أسباب الانقطاع.
فقد اتهم المتحدث بإسم شركة الكهرباء التابعة لحكومة حماد المنطقة الغربية وإدارة الشركة العامة للكهرباء بالمسؤولية عن الانقطاع العام الذي شهدته المنطقة الشرقية، مستنداً إلى ما قال إنه فصل للخط الراجع لدوائر مصراتة والخمس على دائرة زويتينة.

♟️ وبذلك، تحولت أزمة فنية إلى مادة للصراع السياسي، وأصبح انقطاع الكهرباء جزءاً من حرب الاتهامات المتبادلة بين مراكز النفوذ المتنافسة.

🧩 انقسامات داخل معسكر الشرق

🔍 تكشف هذه التطورات عن تحول مهم داخل معسكر شرق البلاد، حيث لم يعد الصراع محصوراً بين الشرق والغرب، بل بدأ يأخذ شكل تنافس داخلي على مستقبل السلطة وموقع كل طرف في أي تسوية سياسية مقبلة.

🧩 وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات على وجود تباين في الرؤى بين أبناء خليفة حفتر، خصوصاً مع الحديث عن تحركات سياسية مختلفة لخالد حفتر، وفتح قنوات للتواصل مع شخصيات وقيادات في المنطقة الغربية.

📍 كما أن إستقبال خالد حفتر للنمروش في سرت، بصفته رئيساً لأركان المنطقة الغربية، والحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية، يمثلان مؤشرين على إمكانية ظهور قنوات جديدة للتواصل تتجاوز الاصطفافات التقليدية التي حكمت المشهد خلال السنوات الماضية.

📌 ولا يعني ذلك بالضرورة نشوء تحالف مكتمل بين هذه الأطراف، لكنه يشير إلى أن الصراع داخل معسكر الشرق بات أكثر تعقيداً، وأن التنافس على المستقبل السياسي لم يعد يدار بالضرورة ضمن رؤية واحدة أو مشروع موحد.

🔮 مبادرة بولس وإعادة إنتاج الأزمة

🕶️ يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها إحدى النتائج غير المباشرة لمبادرة بولس، فالمبادرة التي حاولت بناء تسوية بين مراكز القوة، انتهت إلى كشف حجم التنافس داخل تلك المراكز، وإلى إعادة فتح ملفات كانت قد أغلقت مؤقتاً بفعل تفاهمات سياسية سابقة.

📌 كما أن تقديم المبادرة باعتبارها مشروعاً أمريكياً متكاملاً ربما ساهم في رفع سقف التوقعات حولها، قبل أن يتضح أن القبول الدولي بها ليس بالضرورة شاملاً، وأن القوى المحلية لا تتعامل معها باعتبارها مشروعاً ملزماً.

🔍 وتبدو المشكلة الأساسية أن بعض الأطراف لم تكن ترفض مبدأ التوافق السياسي في حد ذاته، بقدر ما كانت ترفض مخرجاته المحتملة، وخصوصاً إحتمال وصول صدام حفتر إلى رئاسة المجلس الرئاسي.

📌 ومن هنا يمكن فهم التصريحات التي تتحدث عن “التنازل” من أجل الوطن.

❓فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بمبدأ “التنازل”، بل بطبيعة التنازل المقصود: هل هو تنازل عن السلطة من أجل الدولة، أم تنازل عن الدولة من أجل صفقة سياسية تضمن إعادة توزيع السلطة بين مراكز النفوذ؟

🔮 ما بعد مبادرة بولس

🧩 في ظل هذه المعطيات، تبدو مبادرة بولس أمام مرحلة جديدة، فقد فقدت جزءاً من زخمها المحلي، ولم تتمكن من تحقيق تقارب يحظى بقبول واسع بين مختلف القوى الليبية، كما أن المسار الذي كان يفترض أن يقود إلى تفاهم بين العائلات المتنافسة تحول تدريجياً إلى صراع على المؤسسات والأدوات والنفوذ.

❓ ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت تداعيات هذا الصراع تتوسع لتشمل مؤسسات أخرى كانت جزءاً من التفاهمات السابقة، مثل المؤسسة الوطنية للنفط وهيئة الرقابة الإدارية، أم أن الأطراف ستتمكن من احتواء الخلاف عند حدود المؤسسات التي دخلت بالفعل في دائرة الصراع.

🎲 فالمشكلة لا تكمن فقط في تغيير المسؤولين، بل في تحول المؤسسات العامة إلى أدوات في الصراع السياسي.
📌 وفي هذه الحالة، يصبح المسؤول وطنياً ما دام خارج دائرة الخصومة، ومطلوباً للإقالة بمجرد أن يتحول إلى ورقة ضغط في يد الطرف الآخر.

📍 وفي النهاية، قد تكون مبادرة بولس قد بدأت بالفعل مرحلة ما بعد المبادرة، وهي المرحلة التي لا تنتهي فيها المبادرات السياسية عند فشلها، بل تبدأ بعدها معركة البحث عن المسؤول على ذلك الفشل.

🎯 فبدلاً من أن تؤدي المبادرة إلى تقريب الأطراف حسب وصفهم، ساهمت في كشف عمق التنافس داخلها.
🎯 وبدلا من أن تنهي الصراع كما أدعى المدافعين عنها، ساهمت في تعزيز الانقسام وزيادة الأزمات.

📌 وهكذا، تحولت المبادرة من محاولة لتسوية الأزمة إلى جزء من الأزمة نفسها، إذ بدا أن كل طرف كان يتفاوض على مستقبل ليبيا كنا يدعي، لكنه في الوقت ذاته كان ينتظر اللحظة التي ينتقل فيها من التفاوض إلى السيطرة المطلقة، الأمر الذي حطم احلام صدام وبولس الى غير رجعه.

المصدر:
شارك المقال :