Skip to main content

تغييب أصحاب الفكر والمعرفة، جريمة في حق الوطن

|

🕰️ عانت ليبيا، منذ انقلاب سبتمبر 1969، مرورًا بثورة فبراير التي عشنا عقودًا نحلم بها وننتظر أن تفتح أمامنا أبواب الحرية والديمقراطية وبناء الدولة المدنية، من مسار سياسي انتهى بنا إلى واقع مأزوم، تتجلى فيه مظاهر الانقسام والتخلف المؤسسي وتعثر بناء الدولة.

🔎 إن قراءة متأنية لمسار الأحداث، وما أفرزته من سياسات وممارسات، تدفعنا إلى التساؤل:

❓ هل ما نشهده اليوم من إقصاء لأصحاب الفكر والمعرفة، وأهل الخبرة والكفاءة، وتهميش للمؤسسات الوطنية المنظمة، مجرد نتيجة عفوية للفوضى السياسية، أم أنه أصبح نهجًا متكررًا يخدم مصالح قوى لا ترى في قيام دولة المؤسسات ما ينسجم مع حساباتها ومصالحها؟

🏛️ لقد جرى، على مدى عقود، إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تشكل ركيزة الحياة السياسية والاجتماعية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، ومؤسسات المجتمع المدني الوطنية. وهي المؤسسات التي تنظم الاختلاف، وتصقل الوعي، وتؤطر المشاركة الشعبية، وتتيح للكفاءات الوطنية أن تسهم في إدارة الشأن العام بعيدًا عن الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية.

⚖️ وفي المقابل، برزت أنماط من الممارسة السياسية تمنح الأولوية للشخصيات التي تستمد نفوذها من العصبيات القبلية والمناطقية، أو من قدرتها على التقرب من أصحاب السلطة والنفوذ، وطرق أبوابهم طلبًا للمناصب والمكاسب، بدلًا من الاحتكام إلى الكفاءة والنزاهة والخبرة والبرامج الوطنية.

🚨 وهنا تكمن خطورة المسألة؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد تغييب أفراد أو إبعاد شخصيات بعينها، بل بتغييب منهجي للعقل الوطني، وإضعاف للقدرة على التفكير والتخطيط، وإحلال منطق الولاء محل منطق الاستحقاق، ومنطق المصالح الضيقة محل المصلحة العامة.

🧠 إن الدولة لا تُبنى بالولاءات القبلية والمناطقية، ولا بالوجاهات الاجتماعية وحدها، ولا بتكديس المناصب في أيدي المقربين وأصحاب النفوذ. الدولة تُبنى بالعقول، والخبرات، والمؤسسات القوية، والقوانين العادلة، والتداول السلمي على السلطة، وإتاحة الفرصة أمام المواطنين للمشاركة في صناعة مستقبلهم عبر آليات ديمقراطية حقيقية.

❓ وإذا كان تغييب أصحاب الفكر والمعرفة قد مثّل أحد أوجه الأزمة في عهد النظام السابق، فإن استمرار هذه الظاهرة بعد ثورة فبراير يجعلنا أمام سؤال أكثر إلحاحًا: ما جدوى الثورة إذا لم تؤسس لواقع مختلف، ولم تفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية، ولم تحرر القرار السياسي من هيمنة المصالح الشخصية ومراكز النفوذ؟

⚠️ إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود أشخاص غير مؤهلين في مواقع المسؤولية، بل في بناء بيئة سياسية تُقصي المؤهلين، وتُحبط أصحاب المبادئ، وتدفع أصحاب الخبرة إلى الانسحاب أو الصمت، بينما تفسح المجال أمام من يتقنون فنون الاسترضاء والتبعية وتبديل المواقف بحسب اتجاه الرياح.

🛠️ إن إنقاذ ليبيا يبدأ باستعادة الاعتبار للعقل والمعرفة والخبرة، وإعادة بناء الأحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني على أسس وطنية وديمقراطية، وضمان استقلالها وفاعليتها، وفتح المجال أمام الكفاءات دون تمييز أو إقصاء، وربط تولي المسؤولية بالقدرة والنزاهة والمساءلة.

📍 فليبيا لا ينقصها الرجال والنساء القادرون على البناء، ولا تفتقر إلى العقول والخبرات، وإنما تحتاج إلى بيئة سياسية تحترمهم، ومؤسسات تتيح لهم العمل، وإرادة وطنية تضع مصلحة البلاد فوق المصالح الشخصية والفئوية.

🔴 إن تغييب أصحاب الفكر والمعرفة ليس مجرد خلل في إدارة الشأن العام، بل هو تغييب لمستقبل الوطن نفسه. ولن تستعيد ليبيا عافيتها ما لم تستعد للعقل مكانته، وللكفاءة اعتبارها، وللمؤسسات دورها، وللمواطن حقه في اختيار من يحكمه بعيدًا عن سطوة السلاح والقبيلة والمنطقة والمال والنفوذ.

شارك المقال :