حين ينقلب الوسيط إلى طرف، كيف تحوّل تنفيذ خارطة الطريق في ليبيا من مسار للحل إلى دائرة جديدة من الصراع؟
🧠 سمعت ذات مرة فكرة بقيت عالقة في ذهني، تتعلق بالتفريق بين الممارس السياسي والمُنظِّر السياسي.
⚖️ خطر في بالي حينها أنني كثيرًا ما أُتَّهم بالانتماء إلى ما يُعرف بـ”تيار التأزيم”، فقط لأنني أنتمي، في هذه المرحلة من تجربتي السياسية، إلى مدرسة ما ينبغي أن يكون، ولا أنتمي لمدرسة أن السياسة هي فن الممكن.
🏛️ في مجتمعنا، لا يستطيعون الربط بين الموقف السياسي والموقع داخل العملية السياسية.
🧩 في اعتقادي بأن الانتماء إلى إحدى هاتين المدرستين ليس موقفًا أخلاقيًا، بقدر ما هو يرتبط بالموقع الذي يشغله كل شخص، وبمقدار الفاعلية والأدوات التي يمتلكها للتأثير في مسار الأحداث.
♟️ فمن يمتلك أدوات الفعل والقرار والتأثير المباشر، ويجلس إلى طاولة التفاوض، يصبح بالضرورة أكثر التصاقًا بمدرسة فن الممكن؛ لأنه يتعامل مع موازين القوى، والمصالح، ويبحث عن مساحة مشتركة يمكن البناء عليها، حتى وإن لم تكن تمثل الصورة المثالية التي يؤمن بها.
💡 أما من لا يزال موقعه في العملية السياسية أقرب إلى إنتاج الفكرة والرؤية، أو يمثل قوة ناعمة لا تملك أدوات، فإن وظيفته ينبغي أن تكون إنتاج معيار أعلى، والسؤال باستمرار: ما الذي ينبغي أن يكون؟
📌 لذلك لا بد أن نعي جيدًا بأنه ليس مطلوبًا من الجميع أن يتفاوضوا، كما ليس مطلوبًا من الجميع أن يقدموا التنازلات.
🧭 ومن هذه الفكرة تحديدًا، بدأت أفكر في إحدى أكبر المفارقات التي صاحبت تنفيذ خارطة الطريق الأممية في ليبيا.
🗺️ في اعتقادي، لم تكن المشكلة الأساسية في تصميم خارطة الطريق بقدر ما كانت في طريقة تنفيذها، ففي جوهرها قامت خارطة الطريق على فكرة سياسية تبدو مثالية ومناسبة للمشهد الليبي، وكنت متفائلةً بها جدًا وأدعمها.
🔀 حيث استندت إلى مسارين متوازيين: إنتاج رؤية ومعايير لبناء الدولة من خلال الحوار المهيكل، والعمل في الوقت ذاته على اتخاذ الخطوات العملية اللازمة للذهاب نحو الانتخابات.
🧠 كان الحوار المهيكل، بتكوينه الذي ضم القوى الناعمة والخبرات السياسية والمجتمعية، مؤهلًا لأن يؤدي وظيفة أقرب إلى وظيفة المُنظِّر السياسي، أي إنتاج رؤية ومعايير وتوصيات تمثل الصورة المثلى للدولة وما ينبغي أن تتجه إليه العملية السياسية.
🎯 لم يكن مطلوبًا من المشاركين التفاوض أو البحث عن صيغة ترضي كل الأطراف المتصارعة، بقدر ما كان مطلوبًا منهم أن يحددو الدولة التي نريد الوصول إليها؟ وما هي المعايير التي ينبغي ألا تخضع للمساومة؟
♟️ وفي المقابل، كان يفترض أن تتحرك القوى السياسية الفاعلة في نطاق مختلف، نطاق الممارسة والتفاوض، حيث يمكن تقديم الالتزامات السياسية الممكنة والتوصل إلى تفاهمات مرحلية، بما يقرب الواقع تدريجيًا من ذلك السقف الذي وضعته توصيات الحوار المهيكل.
📜 ثم تأتي المؤسسات التشريعية لتحويل هذه الالتزامات السياسية إلى قوانين قابلة للتنفيذ.
⚠️ لكن هذه المعادلة بدأت تفقد معناها عندما تدخلت البعثة نفسها في العلاقة بين هذه المستويات.
🚨 فبدل أن تؤدي دور الوسيط الضامن لتكاملها، قدمت نفسها طرفًا في المناكفة السياسية؛ أصبحت تستخدم مخرجات مسار للضغط على مسار آخر، واتفاق بين أطراف للتهديد بتجاوز أطراف أخرى.
🔄 وهنا بدأ الخلط الحقيقي بين الوظائف، وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في التعامل مع اتفاق 4+4.
🤝 فالاتفاق في جوهره كان يمكن أن يمثل فرصة سياسية، باعتباره تعبيرًا عن التزام صادر عن قوى فاعلة استطاعت الوصول إلى مساحة من التفاهم، وهذا ما قمنا بتقديمه عندما طرحنا فكرة الوساطة بين الفاعلين، وبأنه لا بد من تفادي أخطاء ما حدث في انتاج قوانين 6+6، ولا بد أن يسبق اتفاق المجلسين في انتاج القوانين الانتخابية التزام سياسي بين الفاعلين.
🏛️ كان بالإمكان تقديم هذا التوافق إلى المجلسين كأرضية جديدة يمكن البناء عليها، ودافعًا لتقريب وجهات النظر، خصوصًا في النقاط الخلافية التي ظلت لسنوات محل خلاف وتعطيل.
⛔ لكن ما حدث كان مختلفًا، جرى التعامل معه وكأنه وثيقة مُلزمة يمكن استخدامها للقفز فوق المؤسسات التي تملك الاختصاص التشريعي.
⚖️ وهنا، في اعتقادي، حدث الانقلاب الحقيقي على فلسفة خارطة الطريق نفسها. لأن الالتزام السياسي، مهما بلغت أهميته، لا يصبح بديلًا عن الاختصاص. واتفاق القوى الفاعلة لا يمكن أن يتحول تلقائيًا إلى وثيقة أعلى من المؤسسات التي تملك سلطة التشريع وإنتاج المسار القانوني وفق الاتفاق القائم.
❓ وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
🔍 هل البعثة تسعى فعلًا إلى بناء توافق سياسي تراكمي، أم أنها تسعى إلى إنتاج صراعات جديدة؟
🗺️ ربما كانت خارطة الطريق مثالية في تصميمها، حيث قسمت العملية السياسية بين من ينتج الرؤية، ومن يمارس السياسة، ومن يمنح الشرعية المؤسسية.
🧩 لكن المشكلة بدأت عندما اختلطت هذه الأدوار.
🔄 فتجاوز المؤسسات لا يعني اختصار الطريق نحو الحل، بل على العكس، كل محاولة لتجاوز مؤسسة ستدفعها إلى البحث عن أدوات جديدة لحماية موقعها، وكل شرعية يتم إنتاجها في مواجهة شرعية أخرى ستولد رد فعل مضاد، وهكذا تتحول العملية السياسية من مسار تراكمي نحو الحل إلى دائرة متواصلة من الصراع.
🚨 الخلط المقصود في التنفيذ أربك المشهد، حيث أصبح الوسيط يسعى إلى إنتاج الفوضى التي جاءت خارطة الطريق أساسًا لإنهائها.

