المسألة الليبية بين الأطماع الشخصية ومصالح الدول والقرار الوطني
📰 من خلال متابعة ما يكتبه عدد من الكتاب والمحللين الليبيين حول تطورات المشهد السياسي في البلاد، يلاحظ أن جانباً كبيراً من النقاش أصبح يتمحور حول ما أطلقوا عليه “مبادرة بولس”، وكأنها أصبحت عنواناً رئيسياً للحل السياسي في ليبيا.
❓ غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل نحن أمام مبادرة أمريكية واضحة ومعلنة بالفعل، أم أمام قراءات وتحليلات بنيت على تحركات سياسية واتصالات لم يجر الإعلان عن مضمونها بصورة رسمية؟
📄 فحتى الآن، لم نرَ إعلاناً رسمياً واضحاً عن مبادرة أمريكية تحمل هذا الاسم، كما لم نرَ وثيقة منشورة تحدد بصورة دقيقة أهدافها أو آلياتها أو الأطراف التي يفترض أن تشارك فيها.
ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها “المبادرة الأمريكية لحل الأزمة الليبية” يبدو، في تقديري، سابقاً لأوانه، ويحتاج إلى أدلة ووثائق أكثر مما يحتاج إلى التكهنات والتحليلات.
📍 ومن هنا أعتقد أن من الضروري التمييز بين السياسة الأمريكية الرسمية تجاه ليبيا وبين التحركات الفردية أو الاتصالات التي تقوم بها شخصيات ليبية أو دوائر سياسية أو شركات علاقات عامة في الولايات المتحدة، فليس كل تحرك في واشنطن يمثل بالضرورة موقفاً للإدارة الأمريكية، وليس كل لقاء مع مسؤول أو شخصية أمريكية يعني وجود سياسة أمريكية متكاملة تجاه ليبيا.
🌍 والواضح، في تقديري، أن الاهتمام الأمريكي بليبيا يرتبط بدرجة كبيرة باعتبارات الأمن والاستقرار في المنطقة، وبموقع ليبيا الجغرافي وأهميتها بالنسبة إلى أمن المتوسط وشمال أفريقيا والساحل، فضلاً عن الاهتمام بالدور الذي يمكن أن تضطلع به القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” في دعم الاستقرار الإقليمي.
🛡️ ومن بين الملفات التي يمكن أن تحظى بهذا الاهتمام مسألة توحيد المؤسسات والقوى العسكرية والأمنية الليبية وإنهاء حالة الانقسام التي أضعفت الدولة وأبقت السلاح خارج إطار السلطة الوطنية الموحدة.
⚠️ أما تحويل هذه التحركات إلى مشروع أمريكي متكامل لحل الأزمة الليبية، فهو أمر يحتاج إلى ما يثبته، ولا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة سياسية لمجرد تكراره في وسائل الإعلام والتحليلات.
👤 وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن جزءاً من المشهد الحالي تحكمه أيضاً طموحات شخصية ومشروعات سياسية لأفراد ودوائر محددة، سواء داخل ليبيا أو خارجها.
والمشكلة لا تكمن في أن يسعى أي سياسي إلى الوصول إلى السلطة، فهذا جزء طبيعي من العمل السياسي، وإنما تكمن في أن تتحول طموحات الأشخاص إلى مشاريع يُراد لها أن تكون بديلاً عن مشروع الدولة، أو أن يجري تقديم المصالح الشخصية ومصالح المجموعات الضيقة باعتبارها مصلحة وطنية.
🧩 وهنا تكمن خطورة المشهد الليبي؛ إذ تتداخل الطموحات الشخصية مع مصالح القوى المحلية، وتتقاطع معها مصالح دول إقليمية ودولية، فيصبح المواطن الليبي في كثير من الأحيان خارج دائرة التأثير، بينما يجري التنافس على السلطة والنفوذ والثروة ومواقع القرار.
🌐 لكن مصالح الدول، مهما كانت دوافعها، تختلف في طبيعتها عن المغامرات الشخصية، فالدول تتحرك وفق مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية يمكن فهمها والتفاوض حولها، وهي مصالح متشابكة في عالم اليوم، ويمكن في كثير من الأحيان الوصول بشأنها إلى تفاهمات وتسويات.
🤝 ولهذا فإن الانخراط الإقليمي في الملف الليبي، رغم ما يثيره من تحفظات، يمكن التعامل معه كأمر واقع، بل وتوظيفه إيجابياً إذا جرى توجيهه نحو دعم الاستقرار والوصول إلى تسوية سياسية ليبية.
📌 وفي هذا السياق تبرز أهمية الأدوار الإقليمية، وفي مقدمتها الدوران التركي والمصري، إلى جانب أدوار المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات، مع اختلاف طبيعة مصالح كل دولة ومواقفها.
⚖️ والمطلوب ليس أن تختار ليبيا دولة إقليمية على حساب أخرى، وإنما أن تستفيد من علاقات هذه الدول ونفوذها للوصول إلى تفاهمات تساعد على إنهاء الانقسام، بدلاً من تحويل ليبيا إلى ساحة جديدة للصراع وتضارب المصالح.
🔍 غير أن كل هذه التحركات، الأمريكية والإقليمية والدولية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن القرار الوطني الليبي، فالمسألة الليبية، مهما تشابكت وتعقدت، لن يحسمها طرف خارجي وحده، ولن تنجح فيها مبادرة مهما كان مصدرها إذا لم تجد إرادة ليبية قادرة على تحويلها إلى اتفاق وطني قابل للتنفيذ.
🧭 ولذلك فإن مفتاح الحل الحقيقي لا يزال، في تقديري، مرتبطاً بثلاثة أطراف رئيسية:
🌐 أولاً: بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، باعتبارها الإطار الدولي الذي يمكنه جمع الأطراف الليبية وتوفير مساحة للحوار والتوافق، بعيداً عن فرض حلول جاهزة من الخارج.
🏛️ ثانياً: مجلسا النواب والدولة، باعتبارهما من المؤسسات التي يفترض أن تتحملا مسؤولية الوصول إلى توافقات سياسية ودستورية تمهد لإنهاء المرحلة الانتقالية.
🗳️ ثالثاً: الإرادة الليبية، وهي العامل الأهم على الإطلاق، فمتى توحدت إرادة الليبيين حول هدف واضح يتمثل في بناء دولة موحدة ذات مؤسسات شرعية وجيش وأجهزة أمن تحت سلطة الدولة، وإجراء انتخابات نزيهة تقود إلى سلطة منتخبة، يصبح من الصعب على أي قوة خارجية أو طموح شخصي أن يفرض على البلاد مساراً لا يريده شعبها.
❓ ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: من صاحب المبادرة؟ أمريكية كانت أم أممية أم إقليمية؟
وإنما: هل نحن الليبيين قادرون على امتلاك قرارنا الوطني والاتفاق على مشروع الدولة؟
✅ فإذا امتلك الليبيون قرارهم، يمكن أن تتحول مصالح الدول المتنافسة إلى أوراق ضغط إيجابية تساعد على الحل.
⚠️ أما إذا ظل القرار الوطني غائباً، فستبقى الساحة مفتوحة أمام أصحاب الطموحات الشخصية، وستظل ليبيا رهينة لتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية.
🧠 وفي النهاية، لا أعتقد أن ليبيا تحتاج إلى البحث عن “منقذ” خارجي، بقدر حاجتها إلى توافق وطني حقيقي، وإرادة سياسية صادقة، ودعم إقليمي ودولي للحل الليبي لا للحلول المفروضة على ليبيا.
📌 فالخروج من الأزمة لن يكون أمريكياً ولا تركياً ولا مصرياً ولا أممياً؛ وإنما ينبغي أن يكون حلاً ليبياً، تدعمه القوى الدولية والإقليمية وتحميه، ولا تصنعه بالنيابة عن الليبيين.

