من الحوار إلى سؤال الشرعية: ستة أشهر كشفت أن أزمة ليبيا ليست في غياب المبادرات، بل في من يملك حق صناعة المرحلة القادمة
لم يبدأ الجدل حول الحوار المهيكل من لحظة صدور تقريره الختامي، بل من اللحظة التي انتقل فيها من كونه منصة نقاش ليبي واسعة إلى وثيقة تحمل توصيات قابلة لأن تُستخدم لاحقاً كمدخل لإعادة ترتيب السلطة والشرعية والمؤسسات.
في جنزور تحديداً، خرج السؤال من القاعات المغلقة إلى الفضاء العام: هل كانت مخرجات الحوار توصيات سياسية تستأنس بها المؤسسات الليبية، أم محاولة لإنتاج مسار انتقالي جديد تحت غطاء “التوافق”؟
في 14 ديسمبر 2025، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الحوار المهيكل بوصفه أحد عناصر خارطة الطريق التي أعلنتها الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في أغسطس من العام نفسه.
الخارطة قامت على ثلاث ركائز: إطار انتخابي قابل للتنفيذ سياسياً وفنياً، توحيد المؤسسات عبر حكومة جديدة موحدة، وحوار مهيكل يتيح مشاركة أوسع لليبيين في معالجة القضايا العالقة وتهيئة بيئة مواتية للانتخابات.
عندها لا يعود الصندوق أو الدستور أو القضاء وحده هو الفاصل، بل يصبح الاعتراف الدولي جزءاً من معادلة داخلية شديدة الحساسية.
في التقرير الختامي للحوار المهيكل نجد أنه ضم نحو 120 عضواً، وشمل أربعة مسارات: الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، وأن محتواه يعبر عن آراء المشاركين ولا يمثل موقف البعثة الأممية.

ظاهرياً، بدا المسار كأنه محاولة لكسر احتكار النخب التقليدية للعملية السياسية، لكن عملياً، ومع تراكم الجلسات من ديسمبر إلى يونيو، بدأ التوتر يتكوّن حول نقطة أكثر عمقاً: من يملك الحق في تحويل توصيات حوارية إلى أدوات ملزمة؟ ومن يملك صلاحية استدعاء أجسام سياسية قديمة أو تشكيل أجسام جديدة؟ وهل يجوز لتكتل لم ينتخبه الشعب أن يتدخل في المساحة الدستورية والتأسيسية ويضع قواعد للمرحلة المقبلة؟

وبالتحديد في مسار الحوكمة، تركز النقاش على أكثر الملفات حساسية: الانتخابات، المسار الدستوري، الحكم المحلي، توحيد المؤسسات، والسلطة التنفيذية.
لم تكن هذه عناوين تقنية، بل مفاتيح السلطة في ليبيا، فالانتخابات تحتاج قاعدة دستورية، والقاعدة الدستورية تحتاج جهة ذات شرعية، والحكومة الموحدة تحتاج آلية اختيار، وتوحيد المؤسسات يحتاج قبولاً سياسياً واسعاً، لذلك لم يكن الخلاف حول التفاصيل فقط، بل حول هندسة المرحلة ذاتها.

من هذا المنطلق فالنقطة الأكثر إثارة للجدل جاءت في توصيات السلطة التنفيذية، فقد تحدث التقرير عن “حكومة الاستحقاق الوطني” تتألف من رئيس وثلاثة نواب، نائب عن كل إقليم، مع وزراء ووكلاء، على أن يمارس رئيس الحكومة ومجلس الوزراء صلاحياتهم وفق القوانين المعمول بها، بينما يتولى نواب الرئيس متابعة مشاريع التنمية والخدمات العامة في أقاليمهم.
ثم وضع التقرير خيارين لتشكيل السلطة التنفيذية: الأول اختيار المجلس الرئاسي ورئاسة الحكومة من لجنة الحوار المشكلة استناداً إلى المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي لسنة 2015، ثم إحالة الحكومة إلى مجلس النواب لنيل الثقة خلال 30 يوماً؛ وإذا لم يمنح مجلس النواب الثقة، يتم اللجوء إلى الخيار الثاني، أي عودة الحكومة إلى لجنة الحوار السياسي لاعتمادها.

تلك التوصية لم تعد تفصيلاً إجرائياً، المادة 64 تحولت من نص في اتفاق سياسي سابق إلى بوابة لإعادة إنتاج لجنة حوار سياسي جديدة أو مستعادة، ومن هذه البوابة خرج السؤال الجوهري: من يملك حق استدعاء لجنة الحوار أصلاً؟
النص كما يطرحه المتحفظون، لا يمنح البعثة الأممية حقاً مفتوحاً في استدعاء الحوار السياسي متى شاءت، جوهر المادة أن الحوار السياسي الليبي يمكن أن ينعقد استثنائياً بعد إقرار الاتفاق وبناءً على طلب أحد أطراف الاتفاق للنظر في خرق جسيم لأحد بنوده.
بهذا المعنى، فإن مفتاح التفعيل ليس بيد جهة ميسّرة، بل بيد الأطراف الليبية ذات الصفة القانونية في الاتفاق السياسي، والبعثة هنا وسيط وميسّر، لا طرف أصيل في الاتفاق، ولا بديل عن المؤسسات الليبية.
وتلك النقطة الجوهرية ليست مسألة لغوية: في السياسة، الفرق بين “التيسير” و”الاستدعاء” هو الفرق بين الوساطة والوصاية.
فالوسيط يقرّب المسافات بين الأطراف، أما من يستدعي المسار ويحدد آلياته ويمنحه قوة سياسية فهو ينتقل عملياً إلى موقع صانع الشرعية، ولذلك تبدو المادة 64، كما ورد توظيفها في توصيات الحوكمة، عقدة قانونية وسياسية في آن واحد: فهي تستند إلى اتفاق يعترف بالأجسام القائمة، لكنها تُقدَّم في الخطاب العام كمدخل لتجاوز تلك الأجسام أو إنهاء أثرها.
هذه المفارقة لا يمكن القفز فوقها، فمن يريد إنهاء شرعية الأجسام السياسية القائمة لا يستطيع أن يبدأ من نص يستمد وجوده من الاتفاق الذي أعاد ترتيب تلك الأجسام ومنحها مركزاً قانونياً.

وبالعودة إلى المادة 64 فانها لا تلغي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي ولا حتى الحكومة المنبثقة عن المسار السياسي؛ بل تعيدها إلى قلب المشهد باعتبارها أطرافاً أو مؤسسات مرتبطة بالإطار الذي وُلدت منه المادة نفسها.

من هنا جاءت التحفظات داخل مسار الحوكمة، لم يكن بيان التحفظ رفضاً لفكرة الحوار، بل اعتراضاً على انتقال الحوار من مساحة التشاور إلى مساحة إنتاج ترتيبات قد تمس السيادة والشرعية.
الموقعون على بيان التحفظ قالوا إنهم شاركوا ستة أشهر في المداولات سعياً إلى حلول وطنية، لكنهم أعلنوا تحفظهم الكامل على المخرجات النهائية ورفضوا إدراج أسمائهم ضمن توصيات لا تعبر عن مواقفهم.
وقد ركزوا على سبعة أسباب: المساس بالسيادة الوطنية، فتح الباب أمام وصاية خارجية في القضايا الدستورية، إعادة إحياء تقسيمات جغرافية تحت مسميات الأقاليم أو الولايات، منح حكومة انتقالية صلاحيات في ملفات حساسة كالسجل المدني، إعادة إنتاج المراحل الانتقالية، خلق أطر موازية تمس الملكية الوطنية للعملية السياسية، والتوسع في تفاصيل الحكم المحلي واللامركزية خارج حدود التفويض الحواري.
ولم تكن هذه الأسباب عناوين عامة، فالتحفظ الأول انطلق من أن الدستور والتشريعات الأساسية شأن وطني لا يجوز أن يخرج من يد الليبيين ومؤسساتهم الشرعية إلى أطراف دولية تشارك في الصياغة أو الاعتماد أو الضمان.
أما التحفظ الثاني، فقد رأى في استدعاء لغة الأقاليم أو الولايات الثلاثية عودة رمزية وسياسية إلى تقسيمات تجاوزتها الدولة الليبية منذ توحيد البلاد وإلغاء النظام الاتحادي في 26 أبريل 1963، بما يفتح الباب أمام حساسيات جهوية قد تعمق الانقسام بدل أن تعالج جذوره.
أما التحفظ الثالث، فكان أكثر اتصالاً بالأمن القومي المباشر، إذ اعتبر الموقعون أن منح حكومة انتقالية قادمة صلاحيات تتعلق بمعالجة الملفات المرتبطة بالسجل المدني، في ظل المخاوف من التوطين والتلاعب في السجل وما أثير حول التحقيقات والإجراءات القضائية، يضع واحداً من أخطر ملفات السيادة في يد سلطة غير منتخبة.
فالسجل المدني ليس مجرد قاعدة بيانات، بل هو بوابة الهوية والجنسية والتمثيل والانتخاب، ولا يجوز، وفق هذا المنطق، أن يُدار في مرحلة انتقالية إلا من حكومة منتخبة ذات شرعية كاملة.
وفي التحفظ الرابع، لم يكن الاعتراض على تشكيل حكومة جديدة من حيث المبدأ، بل على إعادة إنتاج مقاربات سبق اختبارها، وعلى رأسها نموذج خارطة طريق جنيف، التي وعدت بإنهاء الانقسام ثم انتهت عملياً إلى إطالة المرحلة الانتقالية وتعميق أزمة الشرعية. لذلك رأى المعترضون أن أي سلطة تنفيذية تُصنع بالمنطق ذاته ستعيد إنتاج المأزق ذاته: حكومة انتقالية جديدة، بوعود انتخابية جديدة، وزمن سياسي قابل للتمديد.
أما التحفظ الخامس، فذهب إلى جوهر الملكية الوطنية للعملية السياسية، فالخشية لم تكن فقط من تدخل دولي معلن، بل من إنشاء أطر موازية تمنح المجتمع الدولي ضمانات وتدابير مرتبطة بالاعتراف الدولي والإحالات الخارجية، بما يتجاوز الدعم الفني إلى التأثير في اختصاصات المؤسسات الرقابية والقضائية الوطنية.

هنا يكمن الخطر، كما يراه أصحاب التحفظ، أن تتحول الضمانة الدولية من عامل دعم إلى أداة ضبط فوقية تمس جوهر القرار الوطني.
وفي ملف الحكم المحلي، لم يرفض الموقعون مبدأ اللامركزية، بل رفضوا أن تتحول التفاصيل المتعلقة بتوزيع الموارد المالية وآليات إدارتها وتوسيع الاختصاصات المحلية إلى قرارات تأسيسية داخل مرحلة انتقالية.
فدور الحوار وفق هذا التحفظ، ينبغي أن يظل محصوراً في التوصية بوضع الأطر الدستورية التي تعزز اللامركزية، لا في مصادرة رأي الشعب حول نظام الحكم وشكل الدولة وحدود العلاقة بين المركز والمحليات.
الفرق هنا دقيق لكنه حاسم: اللامركزية كخيار دستوري شيء، وفرض هندسة حكم محلي من داخل مسار حواري غير منتخب شيء آخر.
أما التحفظ السابع، فقد كشف جانباً آخر من الخلاف: أن عدداً من المقترحات التي قدمها بعض المشاركين جرى استبعادها أو تجاهلها دون مبررات موضوعية واضحة.
ومن بين هذه المقترحات خارطة طريق تقود إلى إقرار دستور دائم قبل إجراء الانتخابات، وفكرة مؤتمر تأسيسي يهدف إلى إنشاء جسم تشريعي وتأسيسي يسهم في إنهاء الانقسام المؤسسي. وهذه المقترحات لم تُطرح، بحسب أصحابها، لإطالة المسار، بل لتجاوز الانسداد دون الدخول في مرحلة انتقالية جديدة.

الأسماء الموقعة على بيان التحفظ تمنح الوثيقة وزناً سياسياً لا يمكن تجاهله: صبري المبروك خميس، سليمان ساسي الشحومي، عبد اللطيف إبراهيم اسحيب، هالة توفيق بوقعيقيص، عزيزة عطية الشلوي، نهال فتحي الدهماني، وجيهان خالد امطاوع.
هؤلاء لم يكتفوا بالاعتراض العام، بل قدموا قراءة تقول إن هناك عدداً من المقترحات البديلة، ومنها خارطة طريق تقود إلى دستور دائم قبل الانتخابات وعملية التصفير عبر مؤتمر تأسيسي جامع ومنتخب، وكل تلك المقترحات تم تجاهلها دون ردود واضحة وكافية.
اللافت أن التحفظات لم تهاجم مبدأ الإصلاح بل على العكس، كانت الحجة المركزية أن الإصلاح الدستوري والحكم المحلي وتوزيع الموارد والسجل المدني لا ينبغي أن تُدار كملحق لمرحلة انتقالية جديدة، ولا أن تُحسم داخل حوار نخبوي، بل ضمن عملية وطنية تقودها مؤسسات شرعية أو أجسام تأسيسية منتخبة، وبقبول شعبي واضح.

هذه النقطة تضع التحفظات في منطقة سياسية دقيقة: دعم إنهاء الانسداد، لكن رفض تحويل الانسداد إلى ذريعة لصناعة شرعية موازية.
وتعزز هذا الموقف لاحقاً ببيان شبكة الأحزاب الليبية، الذي شاركت فيه أحزاب بينها الجبهة الوطنية، العدالة والبناء، العمل الوطني، ليبيا النماء، تكنوقراط ليبيا، والتنمية والسلام.
البيان لم ينسف الحوار، بل وضعه في حجمه الطبيعي: مخرجات يمكن الاستئناس بها والاستفادة من بعضها، لكنها ليست بديلاً عن الإرادة الوطنية ولا عن المؤسسات الشرعية المنوط بها اتخاذ القرارات السيادية.
كما تحفظ البيان على توصيات قد تعيد إنتاج مراحل انتقالية أو أجسام سياسية إضافية خارج المسار الديمقراطي، ودعا إلى انتخابات حرة ونزيهة وفق قاعدة دستورية وقانونية متوافق عليها، بعيداً عن ترتيبات مفتوحة أو غير محددة السقف الزمني.
بهذا المعنى، لم يعد النقاش حول المادة 64 مجرد سجال قانوني بين مشاركين في الحوار، بل أصبح مؤشراً على صراع أوسع بين مدرستين في إدارة الأزمة الليبية.
المدرسة الأولى ترى أن الانسداد بلغ درجة تستدعي آليات استثنائية، حتى لو جاءت عبر حوار مهيكل وتدخل أممي أوسع. المدرسة الثانية ترى أن كل استثناء جديد في ليبيا يتحول بعد أشهر إلى مرحلة انتقالية جديدة، وكل مرحلة انتقالية جديدة تولد أجساماً جديدة، وكل جسم جديد يضيف طبقة أخرى فوق الأزمة بدلاً من تفكيكها.
الخطر هنا لا يكمن في الحوار ذاته، بل في تحويل المخرجات إلى “مصدر بديل للشرعية”، وهذا ما يظهر بوضوح في الجدل حول ميثاق الضمانات الوطني الملحق بالتقرير.
فالتحليل لملحق الضمانات اعتبر أن وصف الميثاق بأنه “عقد التزام سياسي دستوري ملزم” قد يمنحه مرتبة أعلى من الوثائق الدستورية القائمة، وأن ربط استمرار الشرعية السياسية والمؤسسية بالامتثال له يخلق تراتبية قانونية موازية.
كما حذر التحليل من أن إنشاء آليات متابعة ومساءلة مستحدثة قد يضع مؤسسات الدولة تحت تقييم أجسام لا تملك تفويضاً دستورياً مباشراً من الشعب.
وتزداد خطورة هذا الملحق، بحسب التحليل ذاته، لأنه لا يتعامل مع الضمانات بوصفها إعلان نوايا أو التزاماً سياسياً عاماً، بل يصوغها كلغة ذات أثر دستوري ملزم.
وحين يقال إن استمرار الشرعية السياسية والمؤسسية يرتبط بالامتثال لأحكامه، فإن الوثيقة لا تعود مجرد ملحق إجرائي، بل تتحول إلى معيار يمنح الشرعية أو يسحبها.
وهذا في السياق الليبي، يعني فتح باب جديد للصراع حول من يقرر بقاء المؤسسات ومن يحكم بانتهاء صلاحيتها.
وفي موضع آخر، يثير التحليل تحفظاً أشد حول ما يسميه “آلية متابعة وطنية ـ دولية مشتركة”، تتولى مراقبة الالتزام وتقييم الخروقات واقتراح التدابير التصحيحية أو العقابية، مع دعم فني من البعثة وخبراء قانونيين وماليين وأمنيين وقناة إحالة إلى جهات دولية عند وقوع خروقات جسيمة.
جوهر الاعتراض هنا أن الملف الليبي قد ينتقل من مسار سياسي داخلي يحتاج توافقاً وطنياً إلى مسار مراقبة دولية مباشرة، بما يفتح الباب أمام سلطة هجينة فوق المؤسسات.
ولا يتوقف التحفظ عند آلية المتابعة فقط، فالتحليل يرى أن النصوص التي تتحدث عن عدم الطعن في مشروعية القاعدة الدستورية خارج أطر محددة، أو عن إنشاء ترتيبات قضائية مؤقتة لحمايتها، قد تُفهم كالتفاف على حق التقاضي وعلى ولاية القضاء الوطني والمحكمة العليا.
فإذا جرى تحصين قاعدة سياسية مؤقتة من الطعن، أو وُضعت لها غرفة أو آلية موازية، فإن الخلاف السياسي لا يجد طريقه الطبيعي إلى القضاء، بل يُدفع نحو الشارع أو التعطيل أو الصدام.
وفي الجانب المالي، يبرز اعتراض آخر على ما يمكن أن يُفهم كآلية رقابة مالية مستقلة أو بروتوكول مالي انتخابي مؤقت يعمل بدعم فني دولي.
خطورة هذا التصور أنه قد يتجاوز المؤسسات الرقابية الوطنية القائمة، مثل ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، ويمنح جسماً مستحدثاً سلطة متابعة الإنفاق العام وتوزيع الموارد.
وهنا لا يصبح الحديث عن الشفافية فقط، بل عن من يملك قانوناً حق الرقابة على المال العام: مؤسسات الدولة، أم آلية انتقالية هجينة؟
أما في بروتوكول الاعتراف السياسي والدولي، فتظهر أكثر نقاط الملحق حساسية، فإذا أصبحت الشرعية المؤسسية خلال المرحلة الانتقالية مرتبطة حصراً بالامتثال لقاعدة دستورية مؤقتة ومواثيق ملحقة، وإذا جرى ربط الاعتراف أو عدم الاعتراف بمواقف البعثة ومجلس الأمن والشركاء الدوليين، فإن الشرعية تنتقل عملياً من مصدرها الوطني إلى ميزان خارجي.
لا يعني ذلك أن كل ما ورد في الحوار المهيكل بلا قيمة، التقرير يتضمن تشخيصاً مهماً لانسداد المؤسسات، ويدعو إلى حكومة موحدة محددة المهام والمدة، ويشدد على ضرورة حماية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من التجاذبات، كما يناقش الحكم المحلي واللامركزية بوصفهما أدوات لمعالجة اختلالات التنمية وتوزيع الموارد.
وفي جانب مهم، يوصي بأن تكون ولاية الحكومة الانتقالية محددة بمرحلة تمهيدية لا تتجاوز 18 إلى 24 شهراً، وفق جدول زمني صارم وغير قابل للتمديد، مع حظر إبرام التزامات دولية أو اتفاقيات سيادية طويلة الأمد خلال المرحلة الانتقالية.
لكن التجربة الليبية علمت الجميع أن النصوص الجميلة لا تكفي، ليبيا لا تعاني نقصاً في المبادرات ولا في الجداول الزمنية ولا في الوعود الانتخابية.

المشكلة أن كل خارطة طريق تأتي بعبارة “مرحلة قصيرة”، ثم تكتشف البلاد أنها أمام مرحلة مفتوحة، وكل حكومة تأتي باسم “التمهيد للانتخابات”، ثم تتحول إلى طرف في إدارة الصراع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يبقى في قلب النقاش ليس: هل نحتاج إلى حوار؟ نعم، نحتاج.
وليس: هل نحتاج إلى إنهاء الانسداد؟ نعم، وبصورة عاجلة. السؤال الأدق هو: هل ينتهي الانسداد بإعادة تدوير أدوات أنتجت الانسداد نفسه؟ وهل يمكن الوصول إلى الانتخابات عبر آلية تزيد غموض الشرعية بدلاً من تبسيطها؟
الحوار المهيكل قدّم مادة سياسية غنية، لكنه كشف أيضاً حدود الحوارات غير المنتخبة عندما تقترب من المنطقة التأسيسية. فالقضايا الدستورية ليست تمريناً فنياً، والحكم المحلي ليس مجرد هندسة إدارية، والسجل المدني ليس ملفاً بيروقراطياً، والسلطة التنفيذية ليست لجنة خدمات، فهذه كلها ملفات سيادة لا تُدار بالتفاهمات المغلقة ولا بالصياغات الرمادية ولا بالتفويضات الضمنية.

أما المادة 64، فهي اليوم اختبار للمنهج قبل أن تكون اختباراً للنص، إذا كانت القراءة القانونية تقول إن تفعيلها مرتبط بأطراف الاتفاق، فإن أي توسع في تفسيرها لصالح جهة ميسّرة أو خارجية يفتح سابقة خطيرة: أن تتحول الوساطة إلى سلطة، وأن يتحول الحوار إلى مصدر شرعية، وأن تتحول التوصيات إلى مسار بديل عن المؤسسات وعن صندوق الاقتراع.
في نهاية ستة أشهر، خرج الحوار المهيكل بوثيقة، وخرجت التحفظات بوثيقة مضادة، وخرجت الأحزاب ببيان يضع المسافة بين دعم الحوار ورفض الوصاية.
وهذه ليست علامة فشل بالضرورة؛ بل قد تكون أول لحظة صحية في النقاش: أن يعرف الليبيون أن الخلاف ليس بين من يريد الحل ومن يرفضه، بل بين من يريد حلاً يمر عبر الإرادة الوطنية، ومن يقبل بحل يصنع مرحلة جديدة قبل أن يجيب عن سؤال الشرعية.
ليبيا ليست بحاجة إلى طريق أطول نحو الانتقال، ليبيا بحاجة إلى نهاية الانتقال، والنهاية لا تبدأ من لجنة تستدعي لجنة، ولا من ملحق يمنح نفسه قوة دستورية، ولا من حكومة انتقالية جديدة تحمل وعداً قديماً باسم جديد.
النهاية تبدأ من قاعدة واضحة، وسقف زمني مغلق، ومؤسسات تخضع للمحاسبة، وانتخابات لا تُستخدم كشعار بل كموعد سياسي ملزم.
ولهذا، فإن الواجب الآن ليس التصفيق للتقرير ولا رفضه بالجملة، بل قراءته بعيون مفتوحة: ما الذي يصلح كتوصية؟ ما الذي يحتاج تفويضاً شعبياً؟ ما الذي يمس السيادة؟ ومن يملك قانوناً حق تفعيله؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً للنخب، بل حق لكل ليبي، من الطالب الذي يسأل عن مستقبله إلى السياسي الذي يدرك أن الشرعية حين تضيع لا تعود بالبيانات، بل بصندوق اقتراع يحترمه الجميع.
